جلال الدين الرومي

48

فيه ما فيه

والنباتات والجمادات مرة واحدة وتزول الاستفسارات ويطل الجميع برأسه ويعلم ما سبب ذاك البلاء . وقد خلق الحق - تعالى - هذه الحجب والنقب لمصلحة مؤداها هو أن جمال الحق لو تجلى بغير نقاب فلن نطيقه ولن نستفيد منه ؛ فبواسطة هذه الحجب نجد المدد والنفع . ألا ترى هذه الشمس التي نعيش في نورها ونمشى ونرى ونميز بين الطيب والخبيث ونستدفئ بها وتثمر بها الأشجار والبساتين وتنضج بحرارتها الثمار الفجة والحامضة والمرة وتصبح حلوة ، وتظهر معادن الذهب والفضة واللعل والياقوت بتأثيرها ؛ فلو أن هذه الشمس ذات المنافع الجمة لو زادت منا اقترابا فلن نحصل على فائدة منها بل ستحرق سائر العالم والناس وتفنيهم . والحق - تعالى - حين يتجلى إلى الجبل بالحجاب يتحلى الجبل بالخضرة ويترع بالشجر والثمر والزهر ، وحين يتجلى بلا حجاب يجعل عاليه سافله ويجعله دكّا فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا [ سورة الأعراف الآية 143 ] . سأل سائل هل هذه الشمس نفسها هي التي تبزغ في الشتاء ؟ فقال غرضنا هنا هو مجرد التمثيل ، أما هناك فلا جمل ولا حمل مثل آخر ومثال مختلف ، ورغم أن العقل لا يدرك الله تعالى يجهده ، لكن العقل لا يستطيع أن يتخلص من جهده ودأبه ، ولو تخلص من جهده فلن يكون عقلا ، إنما العقل هو ما يظل بالليل والنهار دائم الاضطراب وعديم القرار بسبب فكره وجهده واجتهادته ودأبه لإدراك البارئ تعالى ، ومع أنه لا يدرك ولا تقبل الإدراك لكن العقل بمثابة الفراشة والمعشوق هو الشمعة ، ومع أن الفراشة ترمى بنفسها